السياسة هي فن الممكن، بينما الاستراتيجية هي فن الحل بالتوقعات.

05/02/2023

مجلس وزراء اجتماعي

فن الحل الممكن

جعفر عبد الخالق

السياسة هي فن الممكن، بينما الاستراتيجية هي فن الحل بالتوقعات.

وعند وقوع الدول او المجتمعات بازمات كبرى عامة، تكثر فيها الادلجة والتنظيرات الاستراتيجية للأسباب والنتائج واجتراح الحلول، خاصة الطوباوية منها استراتيجيا.

بالمقابل ترى شعبا برمته الساحقة يعاني الانهيار والتفقير بالمعاش والصحة والماكل والمشرب والتنقل، والكل يتلهى بمقولة "وقعت البقرة كثر السلاخين"، ولا من عناية او دراية او سد رمق الكفاية، او حتى طرح الحد الأدنى من مقومات للصمود، حتى للخروج من دائرة المحضور.  

لبنان يعاني منذ آذار ٢٠٢٠، بداية ازمة كبرى عصفت به، بالانكشاف كليا للخارج، وعدم الالتزام بمتطلباته قصدا، وانفلات سعر صرف الليرة، وتاثره بقانون قيصر، وانعزاله عن محيطه الإقليمي... وخلال العامين ونيف، عانى من انهيار اقتصاده ومصرفه وقطاعه العام الاداري والصحي والتعليمي والبنيوي، حتى غدا بلدا ميئوسا من معالجته، لارتباط ذلك بسوء إدارته السياسية والطائفية والمماحكة والتجاذب، والفراغات في الرئاسات والمراكز، والضياع شبه التام في القرارات التشريعية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والمالية وحتى اخيرا القضائية.

ونرى من ناحية اخرى، كم فائض من التحليلات والاراء والاستراتيجيات والمقترحات، المتناقضة، المتناحرة، المتجاذبة، والهاربة من مواجهة الواقع، برمي المسؤولية: اما على الطرف النقيض، او على تاريخ الثلاثين عاما، او على فترة ما بعد الاستقلال، او ذهب البعض الى اكستريم (حد) الملامة بالعودة إلى بداية نشوء لبنان ككيان بدائي منذ العام ١٩٢٠.

وهنا هيهات منا الذلة، نستبدلها كلبنانيين؛ بهيهات منا قصور المعرفة. 

وللاسف؛ الكل الان فعليا ينتظر الحلول، اما من صندوق النقد والبنك الدوليين (اقتصاديا)، او الاجتماع السداسي الباريسي بالتنسيق مع ايران وروسيا (سياسيا ورئاسيا)، او محاولات انفاذ مبادرات داخلية تتجاذبها الأطراف الوسطية عموما، او طرح حلول ترقيعية بالمقارنة السابقة، او انتظار الموازنة القادمة (التي لن تأتي بالفراغ المعدوم حاليا)، او طرح حلول خبط عشوائي باضرابات قطاعين شاملة وتسكير ادارات عامة ومؤسسات خاصة كاملة وشاملة، او تكسير رؤوس (ابواب) مصارف وشركات، وقبع وفرط مجالس قضائية (تحقيق او ادعاء عام).

كل ذلك مثل خلال العامين المنصرمين جعجعة دون طحين. والانهيار التام اكتمل فصولا، وان لم يكتمل كليا أصبح بوارد لحظات الارتطام النهائي.

ورغم ذاك جميعنا لم نزل في الدوامة (المتاهة اللامتناهية)، عاجزون عن معرفة المصلحة الوطنية الملحة او حتى الطبقية اللاصقة، ومختلفون جدا جدا على المصلحة الاستراتيجية المنشودة.

وهذا الواقع ينذر على الاقل بأمر محتوم، وهو ان عمر هكذا أزمات في تاريخ المجتمعات طويل جدا، حلوله الجذرية متنازع عليها حتى الاستقتال، كي لا نقول "الاقتتال" وبصريح العبارة "واذا لزم الأمر لبعض الاطراف".  

وفي كلا الحالتين (الاستقتال او الاقتتال) ماذا ننتظر؟

اولا: توافق سلبي او صفري قصير الرؤية (كما سابقا) لاختلاق حلول او حل ترقيعي يؤجل حسم الازمة (وهذا أقرب الملموس المتوقع) ... يفرض انتخاب رئيس وترقيع الحكومات وبالتالي الحلول والمخارج.

ثانيا: تغلب رؤية على الاخرين، وهذا يحتم حسم عنفي (كي لا نقول عسكري)، وفي الواقع اللبناني مغامرة مجربة، يمكنه ان يبدا، ولا احد يعلم كيف ينتهي (مجرب ١٥ عاما من القتل والدمار والتداخل والتدخل والتوازنات المتبادلة). وهذا رهيب ومبدئيا مستبعد.

ثالثا: سواد الفراغ واللاحلول، ولمدة طويلة من الزمن (ولنا تجربة قبل ميشال عون) عامين ونصف من الفراغ المهلك. واحتمالية الفراغ هنا تتخطى نسبتها كل البندين الاول والثاني.

اذن: لم يبقى امامنا الا وضع سيناريو الحد الادنى من متطلبات الصمود المجتمعي المعيشي والصحي والتربوي، للمرور بالمراحل المفجعة التي تنتظرنا، ولفترة او فترات طويلة.

لنرى التجارب الفاشلة التي أعطت حلولا (حتى لو ترقيعية) في العامين المنصرمين.

بعد انهيار الليرة والاقتصاد والمصارف والودائع والدعم (استنزف اكثر من ١٨ مليار دولار من الاحتياط)، وشلل شبه كلي للقطاع العام والخاص، وثم إلغاء ٩٥% من سياسات الدعم، وتفلت سعر الصرف كليا، وتشكل بالفعل مرجعيات متعددة لاسعار الصرف، ثلاثة منها محددة رسميا: الرسمي ١٥٠٠ ل.ل للدولار، المصرفي ٨٠٠٠ ل.ل، ومنصة صيرفة متحركة باقل من سعر السوق السوداء الموازية بنسبة ما يقارب ال ٣٠%. ورغم ذلك بقي الانهيار ساريا بسرعة وبكل مندرجاته (النقدية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقضائية والدستورية حتى).

هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية حاولت السلطتين التنفيذية والتشريعية ترقيع حل اولي لمعاشات القطاع العام كي يصمد في فترة الانتظار، من خلال موازنة عام ٢٠٢٢، التي طالت دراستها او بالاحرى مماحكتها حتى نهاية العام ونهاية عهد عون. فالصحيح ان ألموازنة اقترحت منذ ثمانية أشهر، زيادة كمساعدة اجتماعية كحد أدنى ولو غير مقبول ابدا، بضعفي المعاشات... اي حدها الادنى خمسة ملايين ل.ل والاقصى ٢٢ مليون ل.ل. وحين اقتراح اقرار هذه الزيادة كان الدولار = ٢٤ الف ل.ل.

وطبقت هذه الزيادة في شهر كانون اول ٢٠٢٢ بمفعول رجعي منذ تشرين الاول. والذي حدث فعلا، هو انهيار العملة اكثر وبدء تبخر الزيادة، وكانت محاولة للتعويض الجزئي البسيط، اعتماد سعر صيرفة رسميا للدولار وقبض معاشات القطاع العام، ولكن اسعار الصيرفة بكل اشكالها وتعاميمها، استفاد منها كل القطاعات وكل الفئات والطبقات الغنية والفقيرة، وبذلك تكون استفادت الفئات المحدودة الدخل بالرواتب والمعاشات فقط، بينما بعض الفئات الأخرى استفادت بما تيسر لها من بعض أموالها المخزنة.

وبالمقابل صحيا: اعطيت تعاونية موظفي الدولة والصناديق العامة الأخرى بعض أضعاف التغطيات، لم تتعدى حدود ال ٤٠% بالمتوسط، بإستثناء القوى الأمنية التي حصلت عل مساعدات خارجية لتصل تغطيتها الصحية لأكثر من ٧٠% في الفترة الأخيرة.

وفي هذا الواقع المرير، وتبخر زيادة الأجور بواسطة المساعدات الاجتماعية من خلال انخفاض قيمة الليرة دراماتيكيا، وغلاء الأسعار (الغذاء المحروقات والادوية) بشكل جنوني، اضحى به المواطن فريسة سهلة مشلولة غير قادرة على الحراك، حتى بالصمود بالمنزل، فكيف بالذهاب إلى مراكز العمل، والاولاد إلى مدارسهم وجامعاتهم (فانهار كذلك قطاع التربية).

وطالما ان الحلول العامة الجذرية غير قابلة للبحث، او لا يمكن وضعها الان على اي سكة، قبل مدة طويلة نسبيا. فما هي واقعية فن او فنون الحل الممكن، ولو لفترة زمنية هدفها صمود الحد الأدنى بدل الانهيار والارتطام التام؟  

منذ اسابيع، انعقد مجلس وزراء استثنائي، لحل امور الكهرباء بسبب الضرورة الوطنية القصوى، وكل ما نتج عنه صرف ملايين الدولارات لاستجلاب الكهرباء لمدة ساعتين او ثلاثة يوميا (اذا اتت)، وبعد شهر تنتهي السلفة ونعود كما بدأنا واتعس. 

بالمقابل، القطاع التربوي برمته لم يعد إلى العمل بعد راس السنة، بسبب تاكل زيادة المساعدة الاجتماعية إلى اكثر من النصف والان إلى الثلثين (يعني عند الدولار ٧٥ الف ل.ل تتلاشى كليا).

وعليه طلب منذ اسبوعين اجتماع لمجلس الوزراء مخصص للتربية وحلول لعدم الضياع التام. ولم يزل التجاذب قائم لعدم عقده، بحجة الميثاقية، والشعب اللبناني ينازع موته يوميا، فاي ضرورة حياتية ومصيرية ننتظر لنضع حلول الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة؟؟؟

المقترح للحلول المنطقية، هو ان ينعقد مجلس الوزراء استثنائيا للضرورة الحياتية والتربية معا، لاجل إقرار الحل المقترح التالي:

اولا: تثبيت رواتب ومعاشات واجور القطاع العام بالحد الأدنى (ولو كان غير مقبولا كليا اليوم) على المستوى التي اقرت فيه بالموازنة (اي ثلاث مرات بتاريخ البدء بالدراسة والاقتراح)، وذلك بتثبيت سعر صيرفة ب ٣٠٠٠٠ ل. ل للدولار للقطاع العام فقط، وإلغاء استفادة الميسورين كليا من منصة صيرفة، وهذا ما يؤمن صمودا مقبولا للقطاع العام ومنه التربوي للعمل بالحد المقبول لتمرير فترة الازمة الخانقة.  

ثانيا: تحويل ما توفره منصة صيرفة من استفادة الميسورين، إلى دعم تعاونية موظفي الدولة والصناديق العامة، لدعم صمود القطاع العام صحيا.

وفي كل الحالات، اننا نتكلم عن ٣٢٠ الف موظف مدني وعسكري، وحوالي ١٢٠ الف متقاعد، مما يعني شمول محاولة الصمود هذه لاكثر من ٣٥% من الشعب اللبناني المقيم.

وبالنهاية استراتيجيا، نقرأ ونسمع اقتراحات الركوض وراء حلول خارجية، وخاصة مساعدات من صندوق النقد والبنك الدوليين، لتامين سيولة للبنان. ولكن الأمر بالفعل ليس هنا كما يتضح.

الانهيار اولا واخيرا بالسياسة، والتجاذب والمحاصصة، والخلاف على استراتيجيات ارادة لبنان وشعبه.

التوافق مهم، ولكن ليس على هامش الحلول الترقيعية.

والحاجة عند التوافق على مصالح البلد وشعبه، تصبح مؤمنة، من الداخل اولا، والاغتراب ثانيا، والتفاعل مع المحيط والعالم ثالثا.

وليس اقلها ايراد مثل فن الحلول الممكنة: برغم كل شيئ ان الاغتراب اللبناني يدخل للبلد حوالي المليار دولار شهريا، بشكل رسمي او موازي لا يهم. الاهم انها تدخل، ولكن أين تذهب؟

للاسف للاستهلاك، ونحن اضحينا نستهلك ذاتنا، وهذا دليل الصراع مع الموت، يعني اضحينا بحاجة ماسة للانقاذ. 

فهل من مجلس اجتماعي حياتي مصيري للوزراء، كي يبتدع فن الحلول الممكنة؟

Share this:
ad

تابعونا على مواقع التوصل الإجتماعي

  • About News Zahle