الإنتخابات اللبنانية: صحة تمثيل الغرائز

22/02/2022

الإنتخابات اللبنانية: صحة تمثيل الغرائز

الدكتور جعفر عبد الخالق
الإنتخابات تشبه "قصيدة يوسف ألف بيت، وبيت يغني عن الكل". إنها صحة تمثيل بواسطة التصويت، ونسبة أحجام لتبادل السلطات سلمياً. والعدل في الانتخابات نسبيتها، وأعدلها درجة وعي التصويت. والديمقراطية ثقافة ووعي عام في التمايز بين مصلحة الفرد ضمن الجماعة، والأولوية للأعلى تراتبية: الانسانية، الأمة، الوطن، المجتمع فالفرد.
أما في لبنان، فالتراتبية تقف على رأسها، وتبدأ بالأنا الفردية، العائلة، والفئة فالطائفة، وأما مفردات المجتمع والوطن والكيان فحدث بلا حرج، موجودة كمنسيات في الضمير، عائمات على الألسنة، وغائصات في الشعارات والخطابات. وخير دليل على وعينا وثقافتنا كلبنانيين، هي انتخابات 2018، بحيث أنها التجربة الاولى الوحيدة لقانون نسبي "مفترض أكثر عدالة"، حتى ولو بفجوة الصوت التفضيلي الفاضح... فما الذي حدث بالفعل آنذاك؟ وما هي توقعات انتخابات 2022 وعلى ضوء المنصرمة؟ خاصة بعد عزوف مكون أساسي كتيار المستقبل عن خوض غمارها.
موجز تجربة انتخابات 2018:
تابعنا انتخابات 2018 بالتفاصيل والأرقام وبعض الكواليس، كما سابقاتها منذ العام 2005، ويمكننا اختصار تجربة النسبية عام 2018 بالتالي:
أولاً: الإيجابية الوحيدة أنها قامت على مبدأ النسبية فقط.
ثانياً: حملت بذور سلبياتها بذاتها. فالدوائر تقسمت فئوياً وطائفياً إلى 15 كبرى وضمناً 26 دائرة صغرى، واعتمدت الصوت التفضيلي الواحد، لتحديد الفائزين من طوائفهم وفئاتهم الصغرى.
ثالثاً: توزعت التحالفات بين محاصصات المصالح السياسية والطائفية والفئوية والمناطقية والوصولية الفردية.
رابعاً: الصوت التفضيلي أعطى الأفراد والشخصيات والأحزاب وقائع الأحجام الطبيعية، وسمح للمحللين والمراقبين، خاصة الحياديين، تتبع الأحجام السياسية الطائفية الحزبية بدقة عالية.
خامساً: إنفضحت بالملموس ثقافة التصويت الطائفي الفئوي، بحيث أنه بالمتوسط 93% من التصويت كان فئوياً طائفياً، وما عداه كان لمصلحة كسب نواب للفئة الطاغية. مثلاً... تصويت الشيعة بلغ 98% للشيعة، والسنة 80% والدروز 75% والمسيحيين 95%. فحتى في دوائر التصويت العالي وشبه الآحادي عند الشيعة، لم يتم التصويت على لائحة الثنائي لأميل رحمة أو البير منصور (حصلوا على 3900 صوت من أصل 140 الف صوت للائحة). وفي النبطية لم يعطى لأسعد حردان أي صوت تقريباً (3300 صوت قومي سوري فقط من أصل 193 ألف صوت للائحة). وحتى لميشال موسى في صور لم تجير له أصوات (4100 صوت) من أصل 134 ألف صوت للائحة، وكل ذلك بالرغم من فائض التصويت الشيعي بعشرات الآلاف. بينما نرى مثلاً في عكارذات الفائض النسبي لتيار المستقبل، حصل هادي حبيش على 13500 صوت من أصل 60 ألف صوت للمستقبل. وفي الشوف وعاليه حصل كل من هنري حلو ونعمة طعمة وبلال عبد الله على أكثر من 7000 صوت لكل منهم.
  سادساً: تأكدت حالة عدم عدالة التصويت الطائفي المذهبي نسبياً، بحيث أن متوسط فوز النواب هو 8 آلاف صوت عند المسيحيين، و 24 ألف صوت عند الشيعة، و 18.5 آلاف عند السنة و 14 ألف صوت عند الدروز. بالنتيجة المقارنة هناك 8000 صوت لكل نائب مسيحي بمقابل 20000 صوت لكل نائب مسلم.
سابعاً: الصوت التفضيلي فعلاً جعلنا نصل إلى الأحجام الدقيقة لكل الأطراف السياسية الطائفية، وحتى للشخصيات والأفراد، مع هامش خطأ دون نسبة ال 5%. وكما هو مبين في الرسم البياني الشامل المتعدد المعطيات، فإن حجم الكتل الناخبة الحزبية المذهبية عام 2018 تتدرج كالتالي بآلاف الأصوات: حزب الله 299، المستقبل 266، حركة أمل 216، القوات اللبنانية 202، التيار العوني 161، التقدمي الاشتراكي 87، اليسار المتنوع 64، الكتائب 50، القومي 28 والمردة 25. والملاحظ أن بعض أحجام التصويت الطائفي للكتل الكبيرة لم تنعكس على الحجم النيابي كحزب الله مثلاً 299 ألف صوت مقابل 13 نائباً، بسبب تكدس الأصوات في ثلاث دوائر طاغية شيعياً (بعلبك، صور والنبطية)، وبالمقابل هناك التيار الوطني حصل على 20 نائباً بكتلة 161 ألف صوت فقط، وذلك بفضل قوة المنافسين لا قوته هو، بحيث أن لوائحه لم تستطع اختراق المنافسين، فنجح له نواب بأصوات لا تتعدى المئات (مثلاً في عكار وبيروت الثانية). بينما القوات اللبنانية لم تستطع استخدام حجم تصويتها البالغ اكثر من 200 ألف صوت سوى بعدد 15 نائباً فقط، لأنها لم تعتمد تحالفات موسعة في بعض الدوائر، لتتمكن من الحواصل، أو أن حجمها منفردة لا يسمح لها بالحاصل الواحد، أمثال دوائر البقاع الغربي وجزين ومرجعيون وصور والمتن وبيروت الثانية.
ثامناً: في انتخابات 2018 وصل للندوة البرلمانية 22 شخصية بأصواتها الذاتية، ولكن بالتأكيد ضمن لوائح انتخابية متنوعة، وبعضها (9 نواب) دخلوا ضمن كتلة لبنان القوي، ولكنه لم يمضي عامين حتى تم الإنفصال التام عن التكتل سياسياً، وهذه التجربة ستترك آثارها على عدم قدرة التيار العوني من صياغة تحالفات مع شخصيات مستقلة في العام 2022، وبدأت بوادرها تظهر جلياً. وبعض الشخصيات السنية غرر بها عام 2018، وتعلمت من تجربة التهميش خلال ستة أعوام، ولن تكرر التجربة ثانية، هذا إذا لم تحاسبها القاعدة.
توقعات إنتخابات 2022: 
بدون شك أن لبنان بعد تسوية محاصصة 2016 الرئاسية الفئوية، مرت انتخابات 2018 بمخادعات متبادلة تحت الطاولة وفوقها، وإنكشفت صفقاتهم سريعاً عام 2019 بسبب إستعجال تعويضات الهيمنة، والدفع نحو إستئثار فئتين في السلطة، التيار العوني سياسياً، وحزب الله بفائض القوة، مما جعل التناقضات تصل لمقاييس الحد الأقصى، ليس بين التيار العوني ورئاسة الجمهورية من ناحية، وتيار المستقبل فحسب من ناحية ثانية، بل بين العونيين وحركة أمل وحزب الله والمردة والفرزلي وبعض نواب كتلة لبنان القوي والصهر شامل روكز وغيرهم، وبين العونيين والقوات ضمناً، والتقدمي الاشتراكي جبلاً، وهذا ما أرخى بضلاله الكارثية على الإنهيار المؤسساتي والسياسي عموماً، والإرتفاع المهيب للعداء الفئوي الطائفي، والتسيب العام للصفقات والهدر والفساد. فسادت شريعة الغاب في السياسة والأمن والقضاء والاقتصاد والاجتماع. فكانت إنتفاضة (أو حراك) 17 تشرين 2019، بخروج مئات الآلاف إلى شوارع كل المناطق، رفضاً وسخطاً لمحاصصات ومماحكات وتجاذبات الأطراف الحاكمة الفعلية، ورفضاً للهدر والفساد وهيمنة السلطات. ومع هول ردة الفعل الشعبية، إستقالت الحكومة سريعاً، وتم على ضوئها مماحكات طويلة، أدت بالنهاية إلى تشكيل حكومة اللون الواحد، حيث آثرت في آذار 2020 التوقف عن دفع مستحقات لبنان الخارجية، فكانت الشعرة التي قصفت ظهر البعير، وأطلق العنان لمسار الإنهيار الكارثي غير المسبوق في لبنان ولا العالم منذ حوالي أكثر من قرن، فحلق الدولار عالياً، وانعزل لبنان اقليمياً ودولياً، وغرقت الليرة اللبنانية حتى الأعماق، وانهار الاقتصاد والمال والمصارف والدولة والمؤسسات والقطاع العام، وساد الفقر والعوز والتسيب والتهرب والتهريب، والسرقات والسطوة والاحتكار، والهيمنة بكل فرماناتها. وكان إنفجار المرفأ 4 آب 2020 المحطة التي أغرقت العاصمة بالدمار وكل لبنان بالإنهيار.
وكل ذلك، لم يجعل مِن مَن في السلطة يتحسس جهنم الإندثار. وبكل دماثة نقصان الضمير والاحساس، يستبعدون مسؤوليتهم بما حدث وجار، ويستفيضون في خوض الاستحقاقات والغمار، ومنها إنتخابات أيار. وبعد كل المماحكات والتجاذبات والمجاملات "وألبان العصافير"، والتهجمات الداخلية والخارجية تقررت إنتخابات أيار، وجمد تيار المستقبل المشاركة واعتمد الإنتظار. فكيف تبدو سبل التغيير والتوقعات؟
في الوقائع، وبدون شك‘ إن حجم القوى التقليدية الكبرى تأثر وسيتأثر سلباً بشكل متفاوت بما حصل. بعض الأحجام ستتناقص بدون تأثير سلبي كبير، والبعض الآخر عكس ذلك: الثنائي الشيعي تأثر لحد الآن تناقصاً شعبياً بين 15-20% من جمهوره، ولكن ذلك لن ينعكس كثيراً في النتائج، بسبب فائض الحجم الكبير في دوائر الكثافة مثل بعلبك صور النبطية، ويحافظ الثنائي على حجمه 30 نائباً. تيار المستقبل تأثر بحدود 15% من حجم مقترعيه، ولكن مزاج جمهوره بعد إعتكاف رئيسه ما زال قيد الدراسة لحين إنتهاء الترشيحات وتشكيل اللوائح. الإشتراكي ستتأثر كتلته الناخبة بين 10-15%، ولكن عدد نوابه سيبقى بين 7 و 9 نواب. أصوات التيار العوني إنخفضت بوضوح لحدود ال 30%، وسينعكس بإنخفاض نوابه إلى ما بين 12 إلى 15 نائباً. القوات اللبنانية إستطاعت استقطاب الرأي العام المسيحي، وحافضت على عدد ناخبيها، مما سيسمح لها بصياغة تحالفات معارضة ورفع عدد نوابها لما يزيد عن 20 نائباً. الكتائب يمكنها بنفس حجم الأصوات مضاعفة عدد نوابها. والأحزاب الأخرى بالكاد تحافظ على نوابها المنفردين أو الملتحقين بالكتل الكبرى.
إن تجميد مشاركة تيار المستقبل بالسباق الانتخابي سيؤثر حكماً بإتجاهين لا ثالث لهما: أ- حجم جمهور المستقبل 225 ألف صوت سيتوجه نحو مرشحين سنة أو غير سنة "وسياديين" وتوازي قدرتهم التجييرية إنجاح بين 17 إلى 22 حاصلاً أو نائباً، في حال تم ضبط إيقاع التصويت السني تحت مسميات متعددة. ب- إنجراف معظم التصويت السني (والمستقبل خاصةً) بإتجاه الشخصيات والأفراد واللوائح المستقلة والسيادية والمدنية. وهذا ما يدعمها بأكثر من 15 حاصلاً إنتخابياً في مختلف الدوائر. وعموماً هناك على الأقل 20% من الأصوات السنية ستعتكف عن المشاركة بالإنتخابات.
المستقلين وحراك 17 تشرين والمجتمع المدني أمامه فرصة مناورة واسعة في إنتخابات أيار القادمة، تبدأ من المزاج الشعبي العام الناقم على السلطات ورموزها، وتنتهي بكتلة أصوات مستقلة عند جمهور كل المناطق اللبنانية، وتلامس أكثر من 25% من أصوات المقترعين المتوقعين في أيار (حوالي 500 الف صوت من أصل حوالي مليونين). ومع خروج المستقبل من السباق، هناك فراغ بما يقارب العدد 38 من النواب، لهم حيثية النجاح القابل للتجاذبات، من بينهم حوالي 12 مرشحاً لهم حيثية النجاح ضمن لوائح تحالفية إما مستقلة أو مع الكتل الكبرى. إذن حراك 17 تشرين والمجتمع المدني سيغوص في ملعب واسع يحتمل 26 نائباً، بجمهور مستقل يقدر ب 400 ألف صوت، وفي 26 دائرة إنتخابية صغرى. فتبقى الكرة عند منصاته ال 122 لمكوناته المتنوعة. فإذا استطاعوا للتوحد سبيلاً (وهذا مستبعد في بعض الدوائر)، عليهم إدارة معركة التحالفات أولاً فيما بينهم، وثانياً مع بعض الأطراف المعارضة الأخرى، للتهيب لقطف ثمار حواصل إنتخابية متنقلة بين كل الدوائر. عندها ممكن إيصال كتلة تتراوح بين 15-25 نائباً. والعكس الصحيح هو أن التصويت المتشرذم لعدة لوائح بنفس الدوائر، سيستبعد ما لا يقل عن 250 ألف صوت كما حدث في إنتخابات 2018 (تم إستبعاد أكثر من 150 ألف صوت على الأقل).
من الشخصيات شبه المؤكد نجاحها في أيار: ميشال الياس المر، فؤاد مخزومي، ميشال معوض، حسن مراد، فيصل كرامة، جهاد الصمد، ميشال ظاهر، أسامة سعد، نعمت افرام، عدنان طرابلسي، وإلى حد ما طلال أرسلان وفريد الخازن وفارس سعيد.
توقع الأحجام النيابية للأحزاب اللبنانية الأساسية: الثنائي الشيعي 30 نائباً، القوات اللبنانية 20-22 نائباً، التيار العوني بين 12-15 نائباً، التقدمي الاشتراكي7-9 نواب، الكتائب 5-6 نواب، المردة 3 نواب، القومي 1-2 نواب. محور الممانعة سيحصل على ستة شخصيات نيابية ذات الحيثية، والمحور السيادي على الستة الآخرين المؤكد نجاحهم من الفقرة (4) السابقة. مع الملاحظة أن توقعات أحجام الأحزاب الكبرى وبعض الشخصيات ليست بحاجة إلى استطلاعات رأي.
التوقعات غير الواضحة، والتي تحتاج إلى استطلاعات رأي هي بين جمهور الأصوات المستقلة التي تصل إلى نصف مليون، وهي ستحدد مصير ما بين 23-28 نائباً، وأغلبهم احتمالاً لمنصات حراك 17 تشرين، بمن فيهم اليسار المتنوع الذي سيحصل على ثلاثة مقاعد ترجيحاً في هذه الدورة. فإذا توحدوا استطاعو لكامل العدد سبيلاً مبيناً، أما إذا تعددت اللوائح في الدوائر فلن تصل إلا بعضها للحواصل، وسيتم وفقاً للقانون استبعاد ما لا يقل عن 150 ألف صوت هدراً على الأقل، وتكون حصة الحراك بين 10-12 نائباً فقط، والعدد الباقي يتوزع على كسور الحواصل في اللوائح الكبرى. (وفي هذا الصدد سنقيم استطلاعات رأي متتابعة بعد إقفال باب الترشيحات وتشكيل اللوائح كافة في كل لبنان – بعد 15 آذار).
وأخيراً كخاتمة: إن صياغة بيت الشاعر يوسف النبهاني الذي يغني عن قصيدة من 999 بيت، هو أن واقع لبنان المذهبي الطائفي، وحتى ضمن أرقى قانون انتخابي بالنسبية ولبنان دائرة واحدة، أضحى واضحاً أن المذاهب ستنتخب مرشحيها فقط، ليس بناءً لقصور القوانين، وإنما لقصور في ثقافة التصويت الديمقراطية. 
الإنتخابات اللبنانية بالفعل تختصر "صحة تمثيل الغرائز"، ويكتنفها بيت الشعر المغني عن الشروحات:
نور الطوائف والورى أجزاءُ يا مذهباً جُندهُ أتباعُ أحياءُ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
Share this:
ad

تابعونا على مواقع التوصل الإجتماعي

  • About News Zahle