ما كتبه الخبير الاقتصادي ادوار حمصي عام ٢٠١٩ يمر به لبنان اليوم
في 26-12-2019
الخبير الاقتصادي أدوار الحمصي
لبنـــان والانهيــار الاقتصـــادي الشامـــل
ان عدم امتلاك المصارف التجارية المحلية ومصرف لبنان المخزون الكافي من السيولة النقدية لكافة العملات ، القادر على حماية الليرة اللبنانية تجاه العملات الاجنبية واحتمال عدم تسديد متوجبات الدولة تجاه القطاع العام والديون الداخلية والخارجية وخلافه لامد بعيد، ومنها ما يستحق خلال شهر اذار 2020 ، اتى نتيجة سياسات مصرفية خاطئة نفذت طيلة سنوات ماضية ، لتضاف الى سياسات جديدة منها تحويل اموال تابعة لاصحاب النفوذ واصحاب المصارف الى الخارج ، مما يعني حكما شحا في النقد ، واستكملت بتواجد قسم اخر من السيولة النقدية في مؤسسات الصيرفة ليصار الى التلاعب العجائبي بالدولار وتثبيت سعر مرتفع له مقابل السعر الرسمي في المصارف دون رادع او مراقب حتى ، مما يعني حكما" قدرة هؤلاء الصرافين على التاثير في تحديد سعر الليرة اللبنانية مقابل الدولار.
اضافة الى ذلك عمدت المصارف الى تنفيذ سياسات مالية دون التقيد بالمواد القانونية التابعة لقانون النقد والتسليف ،منها التقشف في سداد المبالغ المحقة للمودعين ، واختلال وعدم مساواة في المبالغ المسحوبة منهم نتيجة تدخلات باتت معروفة من الجميع ، والامتناع عن التحويلات الخارجية بالدولار الا لشراء السلع الملحة في القطاع الطبي وبعض القطاعات الاخرى ، و تحويلات داخلية من الحسابات بالعملة الاجنبية الى الحسابات بالعملة المحلية تبعا لسعر الصرف الرسمي، والبحث في امكانية اقتطاع قسم من الايداعات للتخلص من نسبة معينة من الدين العام ، كذلك مبادلة الاصول المصرفية العقارية باموال تابعة لمودعين بهدف تخفيف الدين المترتب لهم نتيجة ايداعاتهم .
وكل هذه السياسات العشوائية التي نفذتها المصارف التجارية المحلية تمت ضمن اطار كسب الوقت لتلافي الانهيار المصرفي المحتمل ، وعبر انتظارها حلولا" داخلية عجائبية لن تتحقق ابدا ، او حلولا" خارجية شبه مستحيلة ، لانعدام ثقة المجتمع الدولي بالقطاع المصرفي المحلي لعدم تقيده بالقوانين المصرفية المرعية الاجراء من جهة وبالدولة اللبنانية من جهة اخرى ،التي تلقت دعما ماديا هائلا طيلة سنوات من الجهات المانحة بهدف انعاش قطاعات انتاجية مختلفة ، لتفاجا بعدها باختلاس معظم الاموال الممنوحة.
يقابل كل هذه الاحداث تعتيم كامل للواقع المصرفي بالارقام ،الذي يجب ان يصدرعن هيئة الرقابة على المصارف او من حاكم مصرف لبنان ، وهو حق مشروع للمودعين وللبلد ككل ، ولكن للاسف ما من مجيب.
ومع اعتماد مصرف لبنان طبع كميات هائلة من العملة اللبنانية وبالاطنان والمقدرة ب 13 تريليون ليرة لبنانية وضخها في السوق المحلية بحجة استبدال العملة المهترئة كما يفسر البعض ، تاتي هذه الخطوة مخالفة لحق طباعة العملة والمشروع في حال زيادة حاصلة في مخزون الذهب والعملات الاجنبية بما فيها الدولار الاميركي او زيادة ديون المصارف التجارية او زيادة ديون الخزينة اللبنانية .
بينما ما تم واقعا هو العكس اذ تناقص مخزون العملات الاجنبية بشكل كبير، كذلك الامر في ديون المصارف التجارية والخزينة اللبنانية .
ويبقى الواقع المرير متمثلا بعدم قدرة المصارف على اعطاء الخزينة المال الكافي لسداد ديونها ، نظرا للخسائر التي لحقت بها في العام 2019 ، ولعدم امتلاكها السيولة النقدية الكافية لذلك ، لتاتي خطوة طباعة العملة دعما للمصارف التجارية المحلية وللخزينة .
وبما ان اسعار العملات تتاثر حكما بسياسة العرض والطلب ، فان ضخ كميات كبيرة من العملة اللبنانية في السوق المحلية ، يقابلها نقص كبير في كميات الدولار الاميركي ، سيسبب حتما تراجعا حادا في سعر صرف الليرة اللبنانية في السوق المحلية وقد يتجاوز سعر صرف الدولار ال 3000 ليرة لبنانية .
وبطبيعة الحال يكون المواطن اللبناني هو الضحية سيما وانه يقبض بالليرة اللبنانية .
يترتب عن كل هذه السياسات المالية نتائج وخيمة ومنها على سبيل المثال لا الحصر :
- تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية بشكل ماساوي دون القدرة على التدخل لانعاشها ، مما يعني حكما تراجعا حادا في القدرة الشرائية.
- فقدان الدولار وكافة العملات الاجنبية من السوق المحلية مما يعني حكما عدم القدرة على الاستيراد من الخارج الذي يتطلب عملة اجنبية .
- لن يعود للعملة الورقية اي قيمة ، تماما كما حصل في البلدان التي عانت اوضاعا مشابهة وعانت الامرين من الانهيار الاقتصادي لفترات زمنية طويلة .
- عدم قدرة التجار على استيراد السلع الاجنبية وما اكثرها لاعتماد لبنان على السلع المستودرة بنسبة عالية مقابل السلع المحلية ، مما يسبب حكما نقصا حادا وارتفاعا كبيرا في اسعار هذه السلع التي ستختفي تدريجيا من السوق المحلية .
- ان نقص السيولة في الشركات المحلية نتيجة التدهور الاقتصادي الحاصل يدفعها الى الحد من مصاريفها الاساسية وعلى راسها اليد العاملة ، لتكون كبش محرقة السياسات المالية الجديدة ، دون قدرة المؤسسات العامة او المراجع القضائية الحد من طرد اليد العاملة او اعطائها ادنى حقوقها الطبيعية تبعا لقانون العمل ، لترتفع نسبة البطالة بشكل كبير ، وتتوقف الشركات المحلية عن العمل في نهاية المطاف.
- ان المجالات المحلية للاقتصاد ومنها الزراعة على سبيل المثال لا الحصر ستكون بطبيعة الحال غير قادرة على الاستمرار لعدم توفر السيولة النقدية مع الزامية استيراد الادوية واللوازم الضرورية لها من الخارج وهو امر متعثر حكما .
- اذا ما صحت التوقعات بعدم قدرة الدولة على تسديد رواتب القطاع العام ، ستكون المشكلة في اوجها لما يمثله القطاع العام من اهمية في الاستهلاك المحلي .
- لن يكون المواطن قادرا على سداد الموجبات التي رزح تحتها اصلا قبل تبيان الظروف المصرفية الحالية ، ومنها اقساط المدارس والجامعات المحلية او الجامعات في الخارج نظرا لفروقات الصرف المتفاوتة للعملة الاجنبية والمرتبطة بالسعر المفروض من الصرافين
- عدم قدرة المواطن على سداد اقساط السيارة وما يرافق ذلك من عدم قدرة شركات السيارات على استرداد السيارات او اخذ الاجراءات القانونية السريعة لاسترداد حقوقها المادية وما ينتج عنه مستقبلا وقوع هذه الشركات في ازمة مالية كبيرة ستؤدي حتما الى افلاسها .
- لن يتمكن المواطن من سداد اقساط سندات الاسكان المترتبة عليه طيلة فترة الازمة اذا ما تفاءلنا بقصر مدتها ، مما يسبب انهيارا في مملكة الديون المترتبة للاسكان والمصارف .
- لن يتمكن المواطن من سداد معظم الديون المترتبة عليه قبل الازمة ، مما يفتح الباب امام دعاوى قانونية وازمات اجتماعية قد تصل بالمجتمع الى نقطة خطيرة في التعامل بين عناصره .
- ان الفقر الذي سيعانيه الكثير من المواطنين في فترة زمنية قصيرة ستنعكس حكما على قدرتهم بشراء الادوية اللازمة والمفقود قسم كبير منها كونها اجنبية ومستوردة مما يرفع منسوب الامراض لديهم ، يقابله عدم قدرة المستشفيات على تغطيتهم طبيا كونها تعاني من نفس الظروف .
- ان ضعف الليرة وثبات قيمة الرواتب والايرادات على ما هي عليه وما دون ، ستجبر المواطن على استهلاك كمية اقل بكثير من المعتاد من المواد الغذائية كون اسعار السلع ستكون مضاعفة على اقل تقدير، وستزداد هذه الظروف حدة لتصل الى مرحلة الجوع .
- ستتراجع ايرادات الدولة بشكل مخيف ، من ديون مستحقة على المكلفين او ايرادات ضريبة الباب الاول وايرادات القيمة المضافة لانعدام السيولة في يد المواطن والشركات من جهة ، وتراجع الحركة الاقتصادية الى مستويات متدنية للغاية مما يصعب معها الاستفادة منها في مجال الضرائب ولو بادنى حد .
لاجل ما ورد اعلاه من ظروف كارثية نعيشها وستتزايد مع قرب موعد استحقاقات كبيرة واحتمال افلاس المصارف ، وهاجس الانهيار الاقتصادي الشامل ، لا بد من وضع برنامج اقتصادي متكامل لمواجهة المرحلة القادمة ، يتبناه اصحاب الاختصاص في هذا المجال لتقييم الاوضاع المستجدة ومواجهتها بمساعدة كل من يؤمن ببقاء هذا الوطن الغالي قبل فوات الاوان .




